الغابة التي لم تكن في الخريطة
Sinopse
الغابة التي لم تكن في الخريطة لم تقصد سميرة أن تتجاوز المخرج. كانت تعتبر في الجملة الأخيرة التي قالها الرجل في لجنة حقوق الإنسان — "سنتواصل معك" —
Capítulo1
لم تقصد سميرة أن تتجاوز المخرج. كانت تفكر في الجملة الأخيرة التي قالها الرجل في لجنة المقابلة — "سنتواصل معك" — وفي النبرة التي استخدمها، تلك النبرة المهذبة التي تعني شيئاً واحداً ولا تقوله صراحةً، وبينما كانت تفكر، مرّت إشارة المخرج أمامها كما تمرّ أشياء كثيرة في حياتها: مرئيةً لكن غير موقوفٍ عندها. حين أدركت ما فعلت، لم تحاول العودة. واصلت السير.
الطريق ضاق تدريجياً. الأشجار على الجانبين لم تكن موجودةً قبل دقائق — أو ربما كانت، لكنها لم تنتبه. تحوّلت الأشجار المتفرقة إلى صفوف كثيفة، والأسفلت إلى طريق ترابي مضغوط أحكمته سنوات من الأمطار. خفّف الضوء حدّته، اكتسب لوناً أصفر ثقيلاً ينبئ بالغروب القريب. ضغطت سميرة على الفرامل وأوقفت السيارة على جانب الطريق حيث اتسع قليلاً، وبقيت لحظةً دون أن تطفئ المحرك، تحدّق في ما أمامها.
الغابة لم تكن في هاتفها. فحصت الخريطة مرتين، والجهاز يصرّ على أنها تقف في منتصف طريق سريع. حسناً. لم يكن ذلك مقلقاً، بل كان قريباً من المضحك، وهو النوع الوحيد الذي تستطيع تحمّله اليوم — الضحك الذي لا يصدر عن سعادة بل عن شيء نقيضه تماماً.
أطفأت المحرك. فتحت الباب.
الهواء مختلف هنا، ليس بارداً فقط بل رطباً بطريقة تشعر بها في الحلق قبل الجلد، ورائحته مزيج من التربة المبللة وشيء عضوي دافئ، شيء يشبه رائحة خزانة قديمة لم تُفتح منذ زمن. وقفت بجانب السيارة ووضعت يدها على سقفها، لا لشيء إلا لأن وضع اليد على شيء صلب يساعد أحياناً. أضاءت شاشة هاتفها: رسالة من أمها. لم تفتحها. أدارت الهاتف بحيث تواجه الأسفل ووضعته في جيب سترتها.
على حافة الطريق، حيث يبدأ العشب بالتصلب ثم يتوقف، كانت الأشجار تقف بترتيب لا يشبه أي بستان أو حديقة. لم تكن هندسية ولا فوضوية، بل شيء بين الاثنين، كأنها نمت وفق منطقها الخاص الذي لا يأبه بما يبدو منطقياً للناظر من الخارج. الأوراق في هذا الجزء من الخريف لم تسقط كلها بعد — القريبة من الأرض سقطت وتحوّلت إلى طبقة بنية متعفنة ناعمة، والعالية ما زالت تتمسك بالفروع في ألوان صدئة ومغبرة. نظرت سميرة إلى داخل الغابة. لا شيء يتحرك في المسافة المرئية. لا صوت إلا ما يشبه صمتاً له نسيج خاص، ليس غياب الضوضاء بل شيء موجود فعلاً، يمكن الإحساس به في الأذن.
خطت إلى داخل الغابة.
لم تقل لنفسها إنها ستدخل، لكنها فعلت، وهذا هو الفرق بين القرارات التي تتخذها بوعي وبين تلك التي تتخذها بأجساد مرهقة من الإدارة المستمرة.
الأوراق المتعفنة تحت قدميها كانت أكثر كثافةً مما تبدو عليه، تفوق ارتفاعها الكاهل وتملأ مشيها بصوت مكتوم. خلفت الطريقَ وراءها دون أن تلتفت. الأشجار هنا أسمك، جذوعها مغطاة بطحلب أخضر داكن في الجهة المواجهة للشمال، ولحاؤها في الجهات الأخرى جاف ومتشقق كجلد شيخ. مشت وعينها على الأرض أكثر مما هي على ما يحيط بها، تتحاشى الجذور البارزة والحفر المموّهة بالأوراق.
بعد دقائق — لا تعرف كم، لأنها لم تعد تنظر إلى ساعتها — بدأت تسمع الماء. صوت خفيف جداً، أقل من خرير وأكثر من سكوت، ينبع من جهة اليسار. تبعته. الأشجار خفّفت كثافتها قليلاً، ووصلت إلى ما يشبه الممر الطبيعي بين صفين من الأشجار الأكبر حجماً، قبل أن يفتح الممر على ما وجدته بعد ذلك.
كان المكان الذي أفضى إليه الممر أشبه بغرفة لا سقف لها. دائري تقريباً، محاط بأشجار أعلى مما رأته حتى الآن، فتحته في الأعلى صغيرة بما يكفي لأن يبدو الضوء فيها مركّزاً، يسقط على المركز بشكل يجعل ما حوله يبدو أكثر عتمةً مقارنةً. في وسط هذه الغرفة تقريباً كانت دائرة حجارة صغيرة، نصف محفورة في الأرض، بعضها مكتسٍ بطحالب تدل على أنها هنا منذ وقت طويل. في داخل الدائرة، بقايا رماد قديم، أبيض تماماً، لا جمرة ولا قطعة خشب باقية، مجرد رماد تشكّل في مركزه كوماً صغيراً ربما رصّه أحدهم باليد قبل أن يغادر.
بجانب إحدى الأشجار المحيطة بالغرفة، مستنداً إليها بزاوية مائلة كأنه توقف هناك وأُعيد نسيانه، كان دراجة هوائية صدئة. صغيرة الحجم، حجم دراجة طفل في العاشرة ربما. العجلتان قابعتان في الأوراق حتى المحور، وإطاراهما فقدا الهواء منذ وقت طويل حتى أصبحا عريضين ومنفردين. المقود مائل قليلاً، والطلاء متقشر تماماً عن الإطار المعدني عدا بضع فقاعات أرجوانية ماتت في مكانها. ومن أحد مقبضَي المقود، معقود حول المعدن بعقدة ضيقة تشير إلى أن من ربطه كان يعرف ما يفعل أو لم يهتم أصلاً، كان شريط قماش وردي اللون، ذبل لونه إلى شيء بين الزهري والبيج، مهترئ من أطرافه، لكنه ما زال معقوداً. ما زال هناك.
وقفت سميرة وحدقت في الدراجة فترةً أطول مما هو منطقي للحدق في دراجة مهجورة. لا تعرف لماذا. شيء في المشهد أوقف تيار أفكارها الاعتيادي، ذلك التيار الدائر الذي يعيد تشغيل مقاطع المقابلة وجمل الناس ولوائح ما يجب فعله وما أخفقت فيه، وجعلها تقف فحسب، أمام دراجة صدئة في غابة لا تعرف اسمها، وتنظر.
أدركت أنها لا تعرف الاتجاه الذي جاءت منه.
لم يكن الإدراك مفاجئاً، جاء ببطء، كما يجيء إدراك الخسارة أحياناً — تعرفه قبل أن تعترف به. التفتت. الأشجار في كل الاتجاهات متشابهة، الضوء يتساوى الآن من زوايا متعددة لأنه يتحول من ضوء منتصف النهار إلى ضوء المساء الذي يأتي من كل مكان في آنٍ ولا يشير إلى جهة. القلق الذي شعرت به كان في صدرها بالأحرى من عقلها، شيء يضيق وينبض على نحو يجعل التنفس يتطلب انتباهاً.
جلست على أحد الحجارة المحيطة بالرماد. الحجر بارد وصلب تحتها. فكرت: ماذا تفعل الآن؟
أولاً، لا داعي للهلع. لم تكن تسير طويلاً، عشر دقائق ربما، أو ربع ساعة. السيارة ليست بعيدة. المشكلة ليست المسافة بل الاتجاه. أخرجت الهاتف — لا إشارة، كما توقعت. أعادته إلى جيبها. حسناً. السيارة كانت على طريق. الطرق تُصدر أصواتاً أحياناً. والماء، ذلك الصوت الخفيف الذي اتبعته، يعني خفة التضاريس ومنطق الجغرافيا الذي تتدفق فيه المياه نحو الأماكن المنخفضة المفتوحة. تسير مع الماء أو ضده — أيهما يقودها إلى صوت أوسع، أو إلى أثر الطريق.
نهضت. استمعت.
الماء ما زال هناك، لكنه الآن جهة اليمين. أو ربما الأمام والأيمن. مشت نحوه. الغابة لا تمانع خطواتها، لا شيء يعترض طريقها إلا ما تعترضه كل غابة — جذور وفروع منخفضة وأرض غير مستوية. مشت ببطء، تبحث عن تغيير في الأصوات أو الضوء أو كثافة الأشجار، أي مؤشر يمكن تصديقه.
بعد مسافة وجدت الجدول. ليس نهراً ولا نبعاً بالمعنى الرسمي، بل تدفق ماء شفاف بعرض ذراعين يتجه بثقة وسط الأشجار. الماء هنا يعني الانفتاح في مكان ما. تبعت الجدول.
الضوء بدأ يتغير قبل أن تصل — أصفر أعمق وأكثر مائلاً، يعني أن الشمس بدأت تلمس الأفق في مكان ما فوق الأشجار. التعجيل كان لازماً، لكنها لم تُسرع بالشكل المتوتر. مشت بخطوات محسوبة أطول قليلاً، قدمٌ أمام قدم، عيناها على الأمام. الأشجار فعلاً خفّت. الجدول اتسع لثلاثة أذرع ثم أربعة. حجارة بيضاء بدت في قاعه. ثم، بين جذعين متباعدين، رأت لمعة المعدن الرمادي لحاجز الطريق.
خرجت من بين الأشجار إلى الطريق، على مسافة نحو مئة متر من سيارتها في الاتجاه الذي جاءت منه. الطريق بدا واسعاً بشكل مبالغ فيه بعد كل تلك الجذوع. الهواء هنا أقل كثافةً، وأكثر جفافاً، كأن الغابة تحتفظ بمناخ خاص بها لا تشاركه مع ما يحيط بها.
مشت نحو السيارة. شعرت بأوراق في شعرها، أو ظنت ذلك، لكنها لم تمدّ يدها لتزيلها. فتحت باب السيارة وجلست. لم تضع المفتاح في الإشعال مباشرةً. أسندت ظهرها إلى المقعد وأغمضت عينيها لثوانٍ. الدماء في أذنيها الآن، بعد أن هدأت نبضة صدرها، تبدو كصوت المحيط في الصدفة.
الهاتف في جيبها اهتز. لم تسحبه.
فتحت عينيها ونظرت إلى الغابة من خلف الزجاج الأمامي. مستقيمة من هنا، مرسومة بخط واضح حيث يلتقي الطريق الترابي بحافة الأشجار. لم يكن الشريط الوردي مرئياً من هنا. لم يكن يمكن لأحد أن يعرف أنه موجود هناك، في مكان ما بين تلك الجذوع، معقوداً بعقدة ضيقة حول مقبض معدني صدئ، ينتظر أو لا ينتظر، في مكان لا تصله الخرائط.
اهتز الهاتف مرة ثانية. ثم ثالثة. ثم توقف.
بقيت تنظر إلى الأشجار حتى طفئت الشاشة في جيبها.
Você também pode gostar
Nenhuma recomendação
Nenhuma recomendação no momento—volte mais tarde!

